يُطرح هذا السؤال اليوم بإلحاح، لا من باب الجدل الشخصي، بل باعتباره تعبيرًا عن حاجة سياسية فرضها الوضع العام. فالحزب الحاكم لا يُقاس فقط بقربه من السلطة، بل بقدرته على مرافقة الفعل الحكومي وتحويله إلى حضور سياسي منظم، وهو ما يتطلب قيادة تمتلك خبرة مركبة تجمع بين الفهم التشريعي، والقدرة التنظيمية، والكفاءة التنفيذية.
لقد أفرزت التجربة البرلمانية لدى سيدي محمد ولد محم وعيًا عمليًا بطبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وبحدود التشريع والرقابة داخل منطق الدولة. هذه التجربة لم تُنتج خطابًا إنشائيًا، بل فهمًا واقعيًا لما يمكن للحزب أن يدافع عنه وما يجب أن يطوره، وهو شرط أساسي لقيادة لا تَعِد بما لا تستطيع الوفاء به.
وتعمقت هذه القدرة خلال تجربته في قيادة الحزب الحاكم، حيث برزت الحاجة إلى إدارة الاختلاف بدل قمعه، وإلى الحفاظ على التماسك دون تعطيل الحيوية الداخلية. فالحزب، في مثل هذه المواقع، لا يحتاج إلى قيادة صدامية ولا شكلية، بل إلى من يملك أدوات التنظيم والاحتواء، ويُحسن ربط القرار السياسي بالبنية الحزبية.
أما التجربة التنفيذية في إدارة ميناء نواكشوط، فقد أضافت بعدًا حاسمًا لهذا المسار، إذ وضعت الرجل أمام منطق الإنجاز والنتائج. إدارة مرفق اقتصادي حيوي لا تحتمل الخطأ ولا الخطاب الفضفاض، وتكشف سريعًا الفرق بين من يُدير الشعارات ومن يُدير المؤسسات. وهذه الخبرة التنفيذية تمنح القيادة الحزبية مصداقية عملية حين تتحدث عن الإصلاح والنجاعة.
وفي سياق أوسع، أطلق نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إصلاحات مهمة اتسمت بالهدوء والسعي إلى الاستقرار الاجتماعي والمؤسسي، غير أن أثرها السياسي ظل أقل من إمكاناتها. والسبب لا يعود إلى ضعف الإصلاحات، بل إلى الحاجة لقيادة حزبية قادرة على استيعابها وتنظيمها وتحويلها إلى خطاب وبرنامج يقنع القواعد ويصمد في المجال العام.
وعليه، فإن القيادة التي يحتاجها الحزب في هذا الظرف هي قيادة خبرة لا ارتجال، وتجربة لا مجازفة، وقدرة على الربط بين الدولة والحزب والمجتمع. وعندما يُقاس هذا المطلب بميزان الواقع، يتقدم نموذج القيادة المتشكل من تراكم برلماني وتنظيمي وتنفيذي بوصفه الأقدر على تلبية متطلبات المرحلة، وجعل الحزب فاعلًا لا تابعًا، ومواكبًا للإصلاح لا متأخرًا عنه.
محمد عبد الله كبير فال
التاريخ: 24/12/2025
شاهد أيضاً
قبل أربع سنوات من الآن / محمد الأمين الفاضل
قبل أربع سنوات من الآن سلمتُ باسم حملة “معا للحد من حوادث السير” عريضتنا المطلبية …
وكالة الحضارة للأنباء موقع اخباري موريتاني حر