لم يكن التعديل الحكومي الأخير، الذي شهده المربع الأول للسلطة مجرد تدوير اعتيادي للحقائب، بل جاء بمثابة الترجمة الإجرائية الأولى لـ “خطاب أطار” الاستثنائي، وتجسيداً عملياً للإجابة عن السؤال المصيري الذي طرحه رئيس الجمهورية حول أي دولة نريد؟
إن خروج قامات سياسية وأمنية وازنة من التشكيلة الحكومية ـ وفي مقدمتهم وزيرا الداخلية والدفاع السابقان ـ لا يعكس رغبة في الإقصاء، بقدر ما يؤشر على إعادة تموضع إستراتيجي لرجالات الدولة الأقوياء، تمهيداً لقيادة قاطرة التحول نحو المستقبل.
-الوزير محمد أحمد ولد محمد الأمين: رجل المهام الإستراتيجية، وخريطة العهد.
في طليعة هذه القامات يبرز اسم الوزير المقتدر محمد أحمد ولد محمد الأمين، الرجل الذي لا يُمكن للمراقب السياسي الجاد أن يقرأ خروجه من الحكومة إلا بوصفه “استراحة محارب”، تسبق تكليفاً بمهام كبرى تفوق في أبعادها حدود الحقيبة الوزارية التقليدية.
إن بقاء هذا الرجل خارج دوائر القرار أمر مستبعد تماماً، لاعتبارات ثلاثة حاسمة:
-أولها كفاءته الإدارية المشهودة، وقدرته العالية على إدارة الملفات المعقدة.
-وثانيها أن رئيس الجمهورية يمتلك تقديراً عالياً لـ “قيمة الوفاء والعهد” مع رجاله المخلصين.
-وثالثها أن هندسة المستقبل الإداري والسياسي للبلاد، تفرض وجود عقول إستراتيجية قادرة على تحويل الرؤى النظرية إلى واقع مؤسساتي ملموس.
وبتفكيك “الخيارات الثلاثة” لإعادة تكليفه، يمكن قراءة الأدوار الإستراتيجية المتاحة كالتالي:
• الخيار الأول: وزير دولة برئاسة الجمهورية (مهندس القصر وعراب الإصلاح …):
إن هذا المنصب السيادي سيجعل منه “الدينامو” المحرك لعملية الانتقال المرتقبة، ومن هذا الموقع، سيكون الرجل بمثابة المشرف العام على صياغة القوانين الاستفتائية الجديدة، والتنسيق بين الرئاسة وبقية مكونات المشهد السياسي، مستفيداً من شبكة علاقاته الواسعة، وخبرته العميقة في إدارة التوازنات المحلية لتأمين إجماع وطني حول شكل النظام القادم.
• الخيار الثاني: رئيس حزب “الإنصاف” الحاكم (تفكيك المحاصصة، وهيكلة الأغلبية):
تحتاج خريطة الطريق القادمة إلى حزب حاكم بمفهوم جديد، حزب يتجاوز منطق “الصالونات السياسية” و”المحاصصة القبلية الظالمة”، ليتحول إلى مؤسسة أيديولوجية وتنظيمية قادرة على استيعاب النخب والكفاءات.
وقيادة الوزير السابق للحزب ستمكنه من تصفية الرواسب القديمة، وإعادة صياغة الخطاب الحزبي ليتناغم مع “سؤال أطار”، وضمان تمثيل حقيقي للشعب ينهي بؤس الزبونية السياسية.
• الخيار الثالث (المنصب غير المعلن): نائب رئيس الجمهورية المستقبلي، أو عراب اللامركزية والجهات:
إذا ما ذهبت التكهنات نحو الوظيفة الثالثة المرجحة، فقد تكمن في توليه حقيبة مستحدثة، أو موقع إستراتيجي يربط العاصمة بالأقاليم (مثل رئيس المجلس الأعلى للامركزية والتنمية الجهوية برتبة نائب رئيس أو صلاحيات استثنائية)، ليقود بنفسه عملية تسليم السلطات والصلاحيات من المركز إلى الجهات، وهو الملف الذي أدار أجزاء واسعة منه أثناء توليه وزارة الداخلية.
وهذه النقطة التالية للاستئناس، وتحتاج بعد نظر لتفهم في سياقها الصحيح.
-النظام القادم: تفكيك فلسفة “شبه الحكم الذاتي” واللامركزية القصوى!
إن مساهمة هذا الرجل في رسم معالم النظام القادم، تتطابق مع الحاجة الوطنية الملحة للانتقال نحو نظام شبه رئاسي مختلط، وموزع السلطات (رئيس، نائب رئيس، رئيس وزراء مسؤول أمام برلمان بغرفتين، ومجالس جهوية ذات صلاحيات قوية).
وتتجلى عبقرية هذا الطرح في إعادة صياغة مفهوم “الحكم الذاتي الإداري والتنموي” وفق مستويين:
1. أبعاد “شبه الحكم الذاتي”: ويتلخص في نقل السيادة التنموية والمالية بالكامل من العاصمة إلى الولايات. وبموجب هذا المفهوم، تصبح المجالس الجهوية المنتخبة مسؤولة مسؤوليّة مطلقة عن مجالات التعليم، الصحة، البنية التحتية، وجذب الاستثمارات المحلية….، كما تمنح الجهات استقلالاً مالياً حقيقياً يتيح لها الاستفادة المباشرة من عوائد ثرواتها الطبيعية (سواء كانت معادن، أو زراعة، أو صيداً بحرياً)، مما ينهي عهد “المركزية البيروقراطية الخانقة”.
2. أفق “أبعد حكم ذاتي” (الحد الأقصى للامركزية في دولة موحدة): يذهب هذا المفهوم إلى تفكيك سلطة الوصاية التقليدية التي يمثلها “الوالي المعين” لصالح سلطة القرار التنفيذي لـ “رئيس المجلس الجهوي المنتخب”.
وهنا يتراجع دور المركز ليصبح دوراً رقابياً، وتنسيقياً وتكاملياً، بينما يُترك للسكان المحليين رسم مصائرهم التنموية، مما يعزز الهوية الوطنية الجامعة من خلال منح الخصوصيات المحلية مساحة للتنفس والعطاء.
خاتمة: دولة الاستيعاب الشامل.
إن القيمة الحقيقية للنظام السياسي والإداري المحتمل تتجسد في قدرته الفائقة على استيعاب الجميع، وإنهاء بؤس المحاصصة الظالمة، فحينما تتعدد المؤسسات (رئاسة، برلمان بغرفتين، مجالس جهوية قوية)، تتسع مظلة الدولة، لتستوعب كافة الطاقات والنخب الوطنية، بناءً على معايير الكفاءة والاستحقاق لا المحاصصة الضيقة.
إذاً النظام المحتمل يمثل الإجابة الشافية لأسئلة مستعصية، ظلت تؤرق الساسة لسنوات، إجابة تضمن بناء دولة قوية بمركزها، غنية بأقاليمها وجهاتها، ومُدارة بعقول رجالها المخلصين والملهمين.
وكالة الحضارة للأنباء موقع اخباري موريتاني حر