
لقد دأبت وزارة الاتصال؛ منذ غادرها الوزير السابق حمدي ولد محجوب، على مغالطة الصحفيين والإعراض عن تمكينهم من أداء عملهم حينما يتعلق بنشاطات رئيس الجمهورية، حيث مثلت فترة تسيير ولد محجوب للوزارة العصر الذهبي بعد تمكنه من الإذاعة والتلفزة من الطابع الرسمي إلى خدمة عمومية، وهو مطلب طالما كان حلما لدى الطيف السياسي والشركاء في التنمية.
لقد أنشئت في تلك الفترة مؤسسة للبث الإذاعي والتلفزي تبيع الخدمات لوسائل الإعلام المرئي والمسموع، كما تم إنشاء السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، كسلطة رقابة على المجال الصحفي.
لقد بات الجميع يطالب؛ بعد كل ما تحقق إبان فترة حمدي ولد المحجوب، بإلغاء وزارة الاتصال، نظرا لما تنفقه من أموال طائلة من خزينة الدولة أضحى من الأولى إنفاقها في أوجه أخرى أكثر جدوائية، خاصة أن بقية عملها المتعلق بالعلاقات مع البرلمان لا يتطلب الإبقاء على الوزارة، باعتبار أن تلك العلاقات مسنودة إلى إدارة صغيرة يمكن تحويلها إلى أية وزارة أخرى.
ففي وزارة الاتصال توجد عشرات المناصب التي لا يستشار أصحابها في التعامل مع الصحافة، وهم الأدرى بها، غير أنهم مهمشون ومعزولون في غرف جانبية، ويقضى الأمر حين يغيبون ولا يستشارون وهم شهود.
لقد بدا واضحا أن الحكومة خصصت وزارة الاتصال لمنصب نائب رئيس الحزب الحاكم، بدءا بتعيين الوزير السابق محمد يحي ولد حرمه، وانتهاء بالوزير الحالي سيدي محمد ولد محم.
بيد أن ولد حرمة كان يدرك أنه مجرد عابر سبيل في الوزارة، ولذلك ترك الأمور كما هي، محاولا النأي بنفسه عن صراعات الصحافة، بخلاف ولد محم الذي حشر أنفه؛ من أول يوم، في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، بل إنه عمد إلى تقريب وتشجيع الصحافة الناشئة على حساب المؤسسات الصحفية العريقة.
ومن سوء حظ الوزير الجديد أن تعيين تصادف مع حادثة تمزيق المصحف الشريف، فاستغل الفرصة للنيل من حرية الإعلام، غير أنه سرعان ما تلقى صفعة قوية من الرئيس محمد ولد عبد العزيز عندما أكد؛ في “لقاء الشباب”، أنه لا مجال للتراجع عن المكاسب المحققة في حرية الصحافة والحريات العامة، فبدأ ولد محم حينها يتلمس طريق العودة عما بدر منه تجاه وسائل الإعلام.
ولم يكتف الوزير الجديد بانتهاج سياسة “فرق تسد” في المجال الإعلامي، بل إنه تعامل بانتقائية كبيرة مع طاقم الوزارة فقرب وأبعد، وكلف وهمش، كما عمل على خلق الخلافات بين الدولة والإعلاميين المستقلين.
لقد تضمنت المؤتمرات الصحفية المتلاحقة لولد محم الكثير من الارتجالية وغياب الحكمة في التعاطي مع الساحة السياسية التي تعيش على وقع أزمة ذهبت بطيف واسع من المعارضة إلى مقاطعة الانتخابات المحلية والتشريعية، وهذه الساحة تبدو حاجتها إلى من يطفئ الحريق أكثر ممن يصب الزيت على النار، لكن ولد محم ظهر صقرا موغلا في التطرف، لا يعبأ بتقاليد المجتمع حينما يصف المعارضين بأقذع الأوصاف، وهم الأكبر منه سنا والأجدر باحترامه مهما كان تباين المواقف السياسية، رغم أنه محام وشاب مثقف تنبئ صورته الذهنية عن المرونة واحترام الآخر، لكن هيهات؛ فالرجل يعتقد أنه وزير إعلام هتلر؛ كما يصفه المحللون.
وبعد وصول ولد محم إلى حقيبة الاتصال زار الرئيس محمد ولد عبد العزيز ولاية اترارزه، وها هو يستعد لزيارة نواذيبو، فكانت الزيارتان مؤشرا على فشل وزارة الاتصال في عهد الوزير الجديد في إدارة ملف دعوات الصحافة، ليكون غير المدعووين أكثر حظا حينما يذهبون على نفقاتهم الخاصة، ليبقى المدعوون في انتظار بطاقات لم تطبع ونقل لم يوفر، وربما لن يوفر.
السفير
وكالة الحضارة للأنباء موقع اخباري موريتاني حر