الحضارة : أحب أن أبدأ بالقول أنني لا أنتمي لأي حزب سياسي – مع تحفظي على عبارة “سياسي” بالمفهوم الموريتاني أصلا – الا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال اعتزالي للشأن الوطني وما يجري في وطننا من أحداث وتحولات “سياسية”، اقتصادية واجتماعية وأشياء أخرى سموها ما شئتم. المهم أنه كانت هناك انتخابات نيابية وبلدية شاركت فيها أحزاب وقاطعتها أحزاب أخرى ولكل منها أسبابه ودوافعه الخاصة، وبما أننا جزء لا يتجزأ من هذا البلد وسنتأثر نحن وأهلنا بنتائج هذه الانتخابات سلبا او ايجابا شئنا ذلك أم أبينا لذلك قررت أن أدلي بدلوي فيها من زاوية قراءاتي للأحداث والوضعية الراهنة للبلد.أولا: لم تخرج الانتخابات عن المألوف، بمعنى أن العقلية الموريتانية لم تراوح مكانها و الدولة الموريتانية عادت الى الوراء بوتيرة مخيفة والناخب الموريتاني في العام 2013 هو نفس الناخب 1992 و “السياسي” الموريتاني أيضا مازال نفس المخلوق الذي يتحدث الى “أهل الخلاء” بدل أبناء جلدته من البشر مع بعض التعديلات الطفيفة والشعارات الفارغة. فمازالت القبيلة والجهة والعرق العناصر التي لا يمكن حسم أي انتخابات من دونها في موريتانيا وما حدث في الانتخابات الأخيرة في الولايات وفي الداخل بشكل عام هو خير دليل على تكريس القبلية والجهوية والعرقية بشكل مقزز، وجميع الأحزاب الموريتانية بدون استثناء تدرك هذه الحقيقة وتلعب عليها وفي طليعتها “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية” وهي عادة قديمة دأبت عليها الأحزاب “الجمهورية” في موريتانيا من أيام معاوية ولد الطايع.
ثانيا: شاركت عشرات الأحزاب في الانتخابات المذكورة ولن أتحدث عن معظمها لأنها أحزاب صورية وليست لها قواعد شعبية، كما لن أتحدث عن الأحزاب المقاطعة وأحترم رغبتها في المقاطعة كما أسلفت. سأتحدث عن الأحزاب لأربعة الأولى في الترتيب النهائي حتى الآن: “الاتحاد من أجل الجمهورية”، “تواصل”، “الوئام”، وحزب “التحالف الشعبي”.
كان من الواضح أن مسألة الانتخابات برمتها “مهزلة” ولا أريد هنا أن أحمل كامل المسؤولية للدولة أو النظام الحاكم لأن جميع الأحزاب المشاركة ضالعة في المهزلة المذكورة انطلاقا من قبولها في المشاركة أولا وتزكيتها لــ “اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات” ثانيا ومن الغريب أن بعض الأحزاب التي خرجت من المشاركة بخفي حنين، مازالت تتصارع مع بعضها البعض على شعارات انتهت صلاحيتها كــ “ابريق أو براد” هنا أو “خيمة من الوبر أو القماش هناك”.
الانتخابات برمتها لم تخضع للقوانين من البداية والأدلة كثيرة في هذا المجال. أولا الانتخابات لم تبدأ في 23 من نوفمبر كما كان مقررا لها: بدأ الاقتراع يوم 22 بتصويت الجيش، ثم جاء دور الشعب يومي 23 و 24 وهذا تناقض صارخ مع القوانين الموريتانية واعلانات اللجنة المكلفة بالانتخابات. في “موريتانيا القديمة” كان يتم تسجيل الناخبين بالملايين وتتم عملية الاقتراع في ظرف لا يتعدى 24 ساعة ويتم اعلان النتائج في ظرف معقول، أما الآن في “موريتانيا الجديدة” وبعد ما يتشدق به النظام من انجازات في مجال ضبط الحالة المدنية ونظام التقييد المكثف البيومتري، فقد زاد عدد المسجلين على مليون واحد بينما لا يتجاوز عدد الناخبين المسجلين علي اللوائح الانتخابية بضع مئات ومع كل هذا أمضت اللجنة المكلفة بالانتخابات ما يقارب 10 أيام للصدار البيان النهائي وتم تأخير الشوط الثاني الى 21 ديسمبر بدلا من 7.
ما حدث من مخالفات وتجاوزات في هذه الانتخابات يوضح بشكل لا لبس فيه أن غالبية الشعب الموريتاني لا تريد “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية” وبعبارة أخرى لا تريد الجنرال ولولا التلاعب الذي حصل بنتائج الانتخابات من قبل “اللجنة المستقلة للانتخابات” لجاء حزبه في أسفل الترتيب الحقيقي وعزيز نفسه يعلم ذلك وهو السبب الذي جعله يلقي بكل وزرائه في الداخل وكان بعضهم يهدد ويزبد ويرعد في بعض المقاطعات – كما حدث في كرو. اشتغلت نمردة موريتانيا الأعماق وأنهت اللجنة – التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن توصف بالمستقلة – طبختها ونال حزب الجنرال أغلبية مريحة في البرلمان.
حل حزب “تواصل” في المرتبة الثانية لحاجة في نفس الجنرال، وحزب الوئام في المرتبة الثالثة لإظهار جزء ولو ضئيل من الشفافية بينما حل التحالف في المرتبة الرابعة لأسباب يعلمها الرئيس مسعود ولد بلخير. حزب التحالف الشعبي تقهقر كثيرا وبانت مكامن الخلل فيه نتيجة مواقف الرئيس مسعود الغير مدروسة والتي لا تختلف عن مواقف جميل ولد منصور. كلا الرجلين أداة طيعة في بنان الجنرال وقدموا له الكثير من الخدمات سواء من خلال الأحزاب التي يترأسون أو من خلال انخراطهم – مؤقتا – في المنسقية. كانت المقاطعة ستكون أرحم بمسعود وبحزب التحالف الذي تبخر الكثير من كوادره ومناضليه مؤخرا ولم يخفي بعضهم امتعاضه من بعض الأمور التي تجري في الخفاء بين الرئيس مسعود والجنرال ولد عبد العزيز.
حزب تواصل هو الآخر انتشر بسرعة في السنوات الأخيرة لكنه يعاني من انفصام عميق بين قمته وقاعدته. تتشكل قاعدة حزب تواصل من الكثير من النشطاء والشباب المتعلم الطيب – من الجنسين – الذي يؤمن بالعمل التطوعي والخيري بشكل عام ومن خصوصياتهن أنهم على عكس الأحزاب الأخرى ينشطون في غير المواسم الانتخابية – وقد شاهدن ذلك بأم عيني – في أنواكشوط وفي الداخل، حيث يساعدون الضعفاء ويجمعون التبرعات للمنكوبين اعتمادا على وسائلهم الخاصة وبدون دعم مادي من حزب تواصل ولا يميزون أثناء قيامهم بالعمل الانساني بين أنصار حزب وحزب آخر. أما قادة حزب تواصل واخص بالذكر جميل ولد منصور وخليله محمد غلام وآخرون هم متسلقون يستغلون طيبة الشباب التواصلي ونشاطه الخيري والانساني في الانتخابات واللعب على الهوية الاسلامية وهو أمر في غير محله لأن موريتانيا بلد مسلم مائة بالمائة ولا يجب في هذه الحالة أن يزايد أي شخص على اسلام شخص آخر.
اذا ظل جميل ولد منصور يتمسك برئاسة حزب تواصل ورشح نفسه للرئاسيات القادمة، فسيعرض الحزب لهزيمة نكراء كما حدث في رئاسيات 2009. ان حديثه المبكر عن زعامة المعارضة فيه الكثير من الرسائل التي مرت مرور الكرام على بعض مناضلي حزبه.
جاء حزب الوئام في المرتبة الثالثة و حقق ما عجزت عنه أحزاب أخرى أقدم منه بكثير وهو الحزب الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات. الرئيس بيجل ولد هميد أثبت أنه محنك وكبير بالفعل وواحد من أذكي أساطين ” بـــلـــَتِــيــڭــْ” في موريتانيا. ان المتتبع لحلقات الصراع بين ولد عبد العزيز والرئيس بيجل ولد حميد، سيتوصل الى أن هذا الأخير داهية يعرف كيف تفكر موريتانيا الأعماق وكيف يلعب بأصحاب العقول الصغيرة. فعندما بدأ ولد عبد العزيز حربه المصطنعة على من يسميهم “رموز الفساد” ورمى بالكثير من الحيتان من طينته وآخرون “رجال أعمال” خلف القضبان تحت يافطة “محاربة الفساد” وهم بإقحام بيجل في قائمة ضحاياه ظانا اياه صيدا سهلا مثل الآخرين.
قام الرئيس بيجل حينها بتسديد الأموال وبقي الجنرال صغيرا في حدود حجمه الطبيعي وفوت عليه فرصة السخرية منه كما حدث مع كثيرين. سيقول البعض أن بيجل هو أحد عرابي حقبة ولد الطايع وهؤلاء لا يضيفون شيئا جديدا لأن الرجل نفسه لا يجد حرجا في الاعتراف بذلك فليس من السهل محو 21 عاما من التدجين شارك فيها الكل بدون استثناء بما في ذلك من يحكمون منذ انقلاب 2005 وحتى الساعة وقد ساعد ضعف ذاكرة الشعب الموريتاني المزمن في تنكر البعض لتلك الحقبة وتغيير لونه على طريقة الحرباء وعاد الى الواجهة اليوم وكأن شيئا لم يكن.
وفي انتظار ما ستسفر عنه نتائج الشوط الثاني من هذه المهزلة، ستظل “موريتانيا الأعماق” أو “موريتانيا الجديدة” أو “مــــرتني” – كما يسميها الداعية محمد ولد سيد يحي – سموها ما شئتم – سلة غذاء “علافة” يعلقها كل حاكم في رقبته فكل و يفصلها على مقاسه الخاص ويسير البلاد والعباد على مزاجه ويغير الدستور ويبدأ كل شيء من الصفر وسيظل الوضع على ما هو عليه حتى تحدث معجزة.
عبد المطلب عبد الودود
وكالة الحضارة للأنباء موقع اخباري موريتاني حر