أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / أوجفت على عتبات المنفى 2

أوجفت على عتبات المنفى 2

قرأت في الإعلام كثيرا عن أرجوحة السياسة، المضطربة في مقاطعة أوجفت، حيث يتفاقم الخلاف بين رافضة الشباب لبقاء رموز الفساد على الرؤوس، تلك الرموز التي تعتقد جازمة أنها قدمت للمقاطعة الفقيرة أسباب الحياة، فأمدتها بالشوارع المعبدة، وبالسيولة، وأنفاق القطارات، وبالمدارس الحديثة، وباستقدام مشاريع الإصلاح إلى تلك المقاطعة، التي لم تكن قصية يوما عن الفقر، والعوز، كما لم تفارق محياها الرملي والجبلي الجميل أمارات الصبر، والكدح.

وتتفق الآراء الشبابية في قضية بناء السياسة في أوجفت على النفعية، والمصالح الضيقة، وقد حسم في أوجفت ما يتعلق بالتماهي بين السياسة والأخلاق في بعض الأحايين، فباتتا متناقضتين أشد التناقض، فلا أحد من النافذين –كما يرى جل من سمعتهم- يفكر إلا في جيبه، وخبز أطفاله، وويتابكسهم، وكورنفلكسهم، ودجاجهم المقلي، والمحمر، وأطباق snacks، وشرائح البطاطس، وأنواع الآيس اكريم، والكيك، والفطائر، والنقانق،… ونعم الإصلاح، فأن تربي الأبناء متخمين بالحلوى فأنت ناجح، ومتميز، وحين تتميز حظيرتك الأسرية بكثرة العلف، وكثرة الخمول، والكسل، وسرعة الانفعال في وجه الضعاف فأنت مميز.

عندما زرت أوجفت لأول مرة أعجبتني قوة الأفارقة على التحمل، وعندما رأيت الأثرياء من أوجفت في ممالكهم، ورأيت السائرين على الطريق من الموظفين الكبار تمنيت لو سكن الفقر في أوجفت إلى يوم الدين، لو أزفت الآزفة والأوجفتيون سواسية في البؤس والحرمان.

يحدثون القادمون من المقاطعة دائما عن الظروف الصعبة، وأرى في قسمات بعضهم مشروع همزة لمزة، فالظروف الصعبة تعطل ملكة العطاء، والإنفاق، والإيثار، وتعلمنا التكديس، وعض النواجذ على الدراهم، والأواقي، وملأ المخازن، في وقت نسمسر فيه لبيع الآخرين، ونزاحم البؤساء على خشاش الأرض.

لقد امتحن الله مقاطعتنا بكثرة السماسرة الفاشلين، في السياسة، والثقافة، فمن أجل الرزق قد نتشدق بالفضائل، ونمتطيها خيولا، توصلنا إلى عافية الجيوب، وجل المعاملة مع البشر لا مع الخالق، ذلك ما شاهدته في بعض الواصلين، الوصوليين، وصدق الصادق الأمين “ص” إذ قال: “كاد الفقر أن يكون كفرا”.

تجد الأسرة التي منها ذائع الصيت دثورا، وغنى، وأقرب الناس إليه من ذوي المتربة والمسغبة، ويقرأ لك ذلك الغني المعطل ما جاء في القرآن والحديث، وأشعار العرب عن السماحة، فترى شخصين أمامك، في زي الانفصام، ولذا ثار الشباب، وحق له أن يثور، ويفور.

ماذا قدم الحاخامات لأوجف؟ … ماذا قدم البطريارك …؟ … ماذا فعل المطارنة؟ …

أنا لم أرى في أوجفت إلا خيانة الأرض، والعرض، والإنسان، خيانة بشعة، أصحابها لا يرمون طوق النجاة لأحد.

وما أشبه البعض في معاملته للضعاف بفضل أبي نواس، الذي امتقع وجهه من ضيافة ذلك الشاعر الفذ، ففطن له، وخلده بالشعر قائلا:

رأيت الفضل مكتئبــــًا .. .. يناغي الخبز والسمكا

فأسبل دمعة لـــــــــما .. .. رآني قادمًـــــــا وبكى

فلما أن حلفت لـــــــــه .. .. بأني صائــــم ضحكا

فأين منا يمن أبي إسحاق، الذي قال فيه أبو تمام:

بيمن أبي إسحاق طالت يد العلا – وقامت قناة الدين واشتد كاهله

هو البحر من أي النواحي أتيته – فلجته المعروف والجود ساحله

تتسرب جموع الشباب من بحر الخنوع إلى الثورة على المؤمنين أن السياسة تستدعي التخلي عن القيم الاخلاقية، والنزوع إلى الغاية الذاتية، فالمعارضون للبابوية كثر، ولكن البابوية الأوجفتية يضيء لها الأمل أنفاق السياسة المظلمة من خلال التجربة الواسعة، فهم على يقين أن الأيمان المغلظة في انتظار صحوات الشباب، ليغفو من جديد، وليحاور بجدية ظاهرة، وسخرية باطنة، فيسقط عن صهوة جواده الجموح، كما سقط آباؤه في الحفرة منذ المهد، ومنهم من قضى نحبه مدجنا، ومن ينتظر.

وبالنسبة لي ستحمل الخمسية القادمة على أبعد الاحتمالات أنباء بطولية، ستقضي على مناعة الكنيسة السياسية في أوجفت، وسيستعيد المسجد عافيته ليواجه مد التطرف، وبناء الأرائك على هامات البشر، والتفريخ هناك.

ولكنني خائف على الشباب من السياسة، من أن لا يكون قادرا على العطاء والسماحة، الذين يتعطش لهما أوجفت، في حين لا تنقص أبناؤه المناصب، والمظاهر، إنما النيات الحسنة هي الغائبة.

بقلم د. دداه محمد الأمين الهادي

شاهد أيضاً

ماذا تعرفون عن أفكار أولادكم ؟ / القصطلاني إبراهيم

يأتي الإنسان لهذه الدنيا طفلا بريئا، و صفحة بيضاء، لكنه يأتي بسمع و بصر و …