انفتاح موريتانيا على الدول ذات التأثير والوزن يعكس إرادة سياسية متبصرة تعنى بخدمة مصالح البلد الاقتصادية والسياسية في إطار تخليد ذكرى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، الإتحاد الإفريقي لاحقا، ومن أجل
تقييم موضوعي لدور الدبلوماسية الموريتانية وتأثيرها في المحافل الإقليمية والدولية في مرحلة الستينيات والسبعينيات ومقارنتها بالمرحلة الراهنة، ومن أجل إطلاع الأجيال الشابة على المكانة التي تبوأتها بلادنا بين الأمم بفضل دبلوماسيتها المتميزة، ارتأت يومية الشعب أن تستضيف لكم وزير الخارجية السابق، النائب البرلماني السيد محمد المختار ولد الزامل الذي يحظى بخبرة كبيرة وتجربة واسعة لعل من اهمها في هذا الإطار رئاسته للدبلوماسية الموريتانية في مرحلة معينة من تاريخ البلاد مما يمكنه من تقييم أفضل لأداء هذا الجهاز الحيوي في تينك المرحليتين الهامتين آنفتي الذكر من تاريخ موريتانيا الحديث.
وهذا نص الحوار :
الشعب: في مرحلة الاستقلال عن المستعمر، ورغم الظروف التي اكتنفت إعلان الاستقلال، سواء الداخلية منها أو الخارجية، نحجت الدبلوماسية الموريتانية في أن تجعل من موريتانيا دولة معتبرة إقليميا ودوليا بفضل حسن أدائها وحضورها المتميز في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، كيف تقيمون تلك المرحلة بوصفكم رئيسا سابقا لجهاز الدبلوماسية الموريتانية ؟
محمد المختار ولد الزامل: اشكركم بداية على إتاحة هذه الفرصة، تدركون جيدا ظروف الاستقلال التي واكبت إعلان الكيان الموريتاني كدولة مستقلة ذات سيادة، وهي بدون شك كانت تحديات عميقة وصعبة للغاية ونتيجة لوضعها الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي، ولأن المستعمر لم يستثمر في هذه المستعمرة السابقة ربما لأن فترة الاحتلال كانت محدودة حيث يقول البعض إنها ستون سنة لكن الواقع غير ذلك، فهناك فترة طويلة لا تقل عن عشر سنوات بعد دخول الاستعمار لم يتمكن خلالها من السيطرة على مجمل أراضي موريتانيا، كما أن الوضع لم يستقر للمستعمر منذ دخوله عام 1909 إلى مناطق الشمال مثلا وحتى 1934.
والواقع أن المتابعين للأوضاع يقولون إن الاستعمار استقر في موريتانيا بعد نهاية المقاومة التي لم تعد تجد المدد ولا العمق الاستراتيجي في دول الجوار التي هي مالي والجزائر والمغرب، بعد أن احتلها الفرنسيون وسدوا الأبواب ولذلك فكانت سنة 1934 هي السنة التي سماها البعض بعام “إكمال الطوق” أو “ملكى لحكامه”، حيث يمكن القول إن المستعمر لم يعد بعدها يواجه صعوبات أمنية وعسكرية من طرق المقاومة الوطنية.
وعندما شرعت دول إفريقيا الغربية الفرنسية في إعلان الاستقلال والتي من بينها موريتانيا لم تكن بلادنا جاهزة لإعلان الاستقلال حيث لا تتوفر إلا على إعدادية واحدة هي إعدادية روصو وليس بها كيلومتر واحد من الطرق المعبدة، ولا يوجد بها مستشفى ولا يوجد بها مطار واحد، كما أن المصادر البشرية التي تعمد عليها الدول في نهضتها كانت بالنسبة لنا محدودة جدا من حيث عدد الأطر والكفاءات الوطنية حيث يوجد عدد قليل من الطلاب الجامعيين يحسبون على رؤوس الأصابع .
وهكذا استقلت موريتانيا في ظرف صعب بالنسبة لوضعها العام آنذاك وفي ظرف اتسم بوجود دولة شقيقة من دول الجوار تسعى لضمها وتطعن في استقلالها وسيادتها، وهنا لا يمكن أن نغل دور القيادة السياسية للبلاد آنذاك وعلى رأسها الاستاذ المختار ولد داداه رئيس الجمهورية رحمه الله، حيث تحلوا بقدر كبير من الحكمة وبعد النظر حتى أوصلوا البلاد إلى مرحلة تجاوزت فيها تلك العراقيل وتم الاعتراف بها كفاعل أساسي إفريقيا وعربيا ودوليا ووصلت موريتانيا قمة مجدها مع منتص الستينسات من القرن الماضي وذلك بفضل عزيمة أبنائها المؤسسون الذين واجهوا كل التحديات من أجل بناء موريتانيا دولة مستقلة وذات سيادة ووزن معتبر في المحافل الإقليمية والدولية، حيث اصبح لموريتانيا وزنها وصوتها ورايها المسموع في تلك المحافل وخاصة على مستوى منظمة الوحدة الإفريقية التي ستحمل لاحقا إسم الإتحاد الإفريقي. وقد حظيت موريتانيا بالرئاسة الدورية لمنظمة الوحدة الإفريقية حيث لعبت دورا كبيرا ومتميزا آنذاك خدمة للقارة ولمصالحها، وسأبرز هنا بعض أهم غسهامات موريتانيا آنذاك، حيث شاركت وبشكل فعال في استرجاع الصين الشعبية لمكانتها في المنظومة الدولية وبصفة خاصة في الأمم المتحدة التي كانت تايوان ممثلة فيها على حساب الصين، وقد قامت موريتانيا بدور كبير وبذلت جهودا جبارة من أجل أن تحتل الصين المكانة اللائقة بها في المنظومة الدولية ونجحت في ذلك بالفعل.
كما بذلت موريتانيا جهودا استثنائية في خدمة القضية المركزية للأمة العربية وخاصة بعد نكسة يونيو التي هزمت فيها الدول العربية من قبل إسرائيل وحلفائها، وهنا قامت موريتانيا بدور معتبر على مستوى القارة الإفريقية من أجل الحد من تغلغل إسرائيل في إفريقيا واستطاعت بالفعل إقناع الكثير من العواصم الإفريقية بقطع علاقاتها مع تل أبيب والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ودعم القضية الفلسطينية في المحافل الدولية بما في ذلك منظمة الأمم المتحدة، بل وذهبت موريتانيا أبعد من ذلك حين قطعت علاقاتها مع الولايات المتحدة احتجاجا على دعم هذه الأخيرة غير المحدود لإسرائيل في عدوانها على العرب عام 1967.
هذه الفترة لا شك أنها فترة ذهبية في تاريخ الدبلوماسية الموريتانية وذلك رغم محدودية إمكاناتها الاقتصادية والبشرية قياسا بباقي الدول حديثة الاستقلال. ورغم ذلك فقد كانت الإرادة السياسية قوية ببقاء موريتانيا لاعبا إقليميا ودوليا له وزنه وسمعته وكلمته المسموعة باستمرار، وفعلا احتلت بلادنا مكانة متميزة في مختلف المحافل العربية والإفريقية والدولية سواء من خلال جامعة الدول العربية أو منظمة الوحدة الإفريقية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو الأمم المتحدة. وغيرها من المنظمات الإقليمية والدولية الهامة.
وبعد تلك الفترة الصعبة التي تميزت بشح الوسائل شهدت البلاد طفرة في الإمكانات البشرية والمادية أهلتها لأن توسع من دائرة علافاتها الثنائية حيث أصبح لديها من الأطر والكفاءات الوطنية سواء على مستوى وزارة الخارجية أو غيرها، ما مكنها من توسيع دائرة علاقاتها الثنائية التي تخدم البلاد سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا … إلخ.
ولا ننسى أن موريتانيا بدأت بسفارتين فقط وذلك في بداية الستينيات، إحداهما في باريس وتغطي العلاقات الموريتانية الأوروبية، والثانية في تونس وذلك نتيجة للموقف التونسي الشجاع الداعم لاستقلال موريتانيا والذي تبنته القيادة التونسية ودعمت من خلاله موريتانيا في مختلف المحافل العربية والإفريقية والدولية في الوقت الذي كانت فيه غالبية الدول العربية تتبنى موقف الدولة الشقيقة التي كانت تسعى لضم موريتانيا.
والحمد لله أصبحنا اليوم نحظى بتمثيل دبلوماسي على نطاق واسع وفي مختلف القارات، في الأمريكتين الشمالية والجنوبية وفي آسيا وأوروبا وإفريقيا، وهنا لا أقول إن التمثيل أصبح في كل دولة عبر العالم ولكنه في معظم الدول وأهمها فضلا عن أن الكثير من سفاراتها في دول معينة تغطي العلاقات الموريتانية مع دول أخرى وهو ما يعني أن دائرة التمثيل أفضل بكثير قياسا بالفترات السابقة. هذا إلى جانب وجود الكثير من سفارات دول العالم ومختلف المنظمات الدولية في موريتانيا وهي وضعية يمكن وصفها بأنها عادية وطبيعية لبلد يحظى بمكانة وسمعة طيبة بين الأمم، وفي محيطنا العربي والإفريقي والإسلامي وهو ما يعتبر قفزة كبيرة في فترة وجيزة لأن أعمار الدول تحسب بالقرون وليس بالسنوات، ويمكننا القول إنه ورغم أن موريتانيا عمرها الحديث هو خمسين سنة فإنها يمكن أن تقارن بالدول المشابهة لها وهو ما لم يكن قائما من قبل، وأنا واثق من أننا سنسير من أحسن إلى أحسن خاصة وأن موريتانيا ليست من الدول التي تتبنى مواقف متطرفة وليست لديها أطماع في الدول الأخرى وبالتالي فالباب مشرع أمام موريتانيا لتحظى بالمزيد من العلاقات الطبيعية والعادية مع مختلف دول العام مبنية على الصداقة والاحترام المتبادل والشراكة النافعة لمختلف الأطراف، وهذه هي المبادئ التي تسير عليها دبلوماسيتنا ونحن واثقون من نجاحها في تحقيق أهدافها خدمة لمصالح موريتانيا.
الشعب: حظيت بلادنا بثقة أشقائها الأفارقة وغيرهم ومكنها ذلك على سبيل المثال من أن تترأس لجانا إقليمية مصغرة مكلفة بحل أزمات محددة مثل الأزمتين الإيفوارية والليبية، كيف تقيمون الدور الذي لعبته موريتانيا إقليميا في الآونة الأخيرة وما هو تقييمكم لدور الدبلوماسية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة حيث اتسعت مثلا دائرة التمثيل البلوماسي الموريتانيا على المستويين العربي والإفريقي والدولي؟.
محمد المختار ولد الزامل: في العادة يقاس وزن الدول من خلال معيارين أساسيين، المعيار الديمغرافي، من خلال عدد السكان والمعيار الاقتصادي من خلال النظر في الناتج القومي وهو ما يعكس مكانة الدولة في الاقتصاد العالمي.
وبدون شك إذا طبقنا هذين المعيارين على موريتانيا فإننا سنجد أن عدد سكانها قليل قياسا بالعديد من الدول وخاصة دول الجوار، كما أن قوتها الاقتصادية محدودة ، ولكن وبالرغم من كل ذلك فإن موريتانيا تحظى بمكانة خاصة حيث إنها تعتبر دولة عربية ترتبط بمحيطها العربي من خلال المغرب العربي ومن جهة أخرى فهي دولة إفريقية وترتبط بمحيطها الإفريقي من خلال محيطها الإفريقي. وهي غالبا ما تكون لها حظوة وحضور فيما يتعلق بحل الأزمات في شمال وغرب إفريقيا وإذا لم تكن حاضرة بالتمثيل فإن رأيها مسموع ويعتد به في حل مثل تلك الأزمات وهو برأيي ما جعل موريتانيا حاضرة بقوة في اللجان المصغرة الإفريقية المكلفة بحل أزمتي ليبيا وكوت ديفوار وبطبيعة الحال لولا الثقة الممنوحة لموريتانيا من طرف الفرقاء ومن طرف الاتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية المعنية لما حصل مثل هذا التكليف وهذا الاعتبار لمكانة موريتانيا ووزنها ودورها. خاصة في ظل غياب الخاصيتين السابقتين اي الوزن الديمغرافي والوزن الاقتصادي، أي أن موريتانيا تحظى باحترام وثقة أشقائها والمنظمات الإقليمية والدولية وهي مكانة لا شك أن وراءها إرادة سياسية جادة بغية المضي قدما في الرفع من مكانة موريتانيا في المحافل الإقليمية والدولية
الشعب: افتتحت موريتانيا في السنوات الثلاثة الأخيرة عدة سفارات عبر العالم، كما وطدت علاقاتها بمحيطها العربي والإفريقي والتي شهدت في فترات سابقة فتورا ملحوظا لأسباب مختلفة، ما هو تقييمكم لهذا الانفتاح وهذا التوجه بالنسبة للدبلوماسية الموريتانية ؟
محمد المختار ولد الزامل: هذا الانفتاح وهذا التوجه يعكس حالة إيجابية لأنه في ذات الوقت الذي تتسع فيه دائرة تمثيل موريتانيا دبلوماسيا على مستوى عدد معتبر من الدول نجد أن دولا عديدة تفتتح سفاراتها في موريتانيا، وحين ننظر إلى هذه الدول التي تربطنا بها روابط قد تكون موغلة في التاريخ يجب أن نمنحها ما تستحق انطلاقا من طبيعتها الحضارية أو الثقافية أو التاريخية وذلك عبر قنوات التبادل الطبيعية بين الدول. فإما ان تكون دول لها مكانتها الاقتصادية والسياسية، حيث افتتحنا فيها سفارات مثل دول البريكس (جنوب إفريقيا والبرازيل وروسيا والهند والصين)، هذه الدول التي أصبحت ذات شأن ويحسب لها حسابها الآن وفي المستقبل، حيث نجد مثلا أن منظمة التجارة العالمية يرأسها حاليا برازيلي وذلك رغما عن الدول التي تعتبر سيدة المنظمات الدولية، أي أن العلاقات الدبلوماسية بين موريتانيا وهذه الدول تعزز مكانة موريتانيا وحضورها، كما يدعم التبادل الاقتصادي مع هذه الدول قدرات بلادنا الاقتصادية، خاصة وأن دولا كهذه تلعب دورا سياسيا متزايدا على المستوى الدولي وهي أيضا دول لها مكانتها الاقتصادية المرموقة عالميا وستزداد شأنا في المستقبل.
وهكذا فانفتاح موريتانيا دبلوماسيا على مثل هذه الدول ذات التأثير والوزن يعكس إرادة سياسية متبصرة تعنى بخدمة مصالح البلد الاقتصادية والسياسية ومكانته المتميزة في المحافل الإقليمية والدولية، وهكذا فافتاح موريتانيا مؤخرا على العديد من دول العالم بما فيها المحيط العربي والإفريقي ليس عشوائيا ولا مرتجلا بل تم عن بصيرة تامة ودراسة متأنية وينم عن إرادة جادة لبناء موريتانيا قوية ومتمكنة، وسينعكس هذا النهج الإيجابي بالخير والفائدة على بلادنا وشعبنا، حيث تعد الدبلوماسية هي الأخرى نمطا آخر من الاستثمار وما دام يعكس إرادة سياسية للرفع من مكانة موريتانيا الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية فلا شك أن نتائجه ستجنيها موريتانيا على مستوى هذه المجالات حيث إنها تفتح أبواب التبادل التجاري والاقتصادي مع هذه الدول على مصراعيه ليعود بالنفع على اقتصاد موريتانيا وعلى تقدمها وازدهارها.
أجرى المقابلة: أحمد ولد مولاي امحمد
نقلا عن يومية الشعب