لطالما خالجني ذلك الاحساس حين تحط بي الطائرة في مطار الحسن الأول بمدينة العيون قادمة من جزيرة لاس بالماس . كنت لا أسلم منه و أنا أترجل بين شوارع مدينة العيون وأزقتها، سميته سرا دوار الحضارة . ليست جزيرة لاس بالماس سوى نموذجا جد متواضع للحداثة الغربية، لكنك حين تزورها ستجد فروقات حضارية لا يمكن القفز عليها .كنت أجدني صائبة و أنا أحدث نفسي بوقع التنقل ما بين الضفتين، لكن ذاك الإحساس كان سرعان ما يتلاشى في غضون ساعات لا أكثر.
بعيدا عن الضفة الجارة وفي الرحلات الداخلية حين أسافرإلى إحدى المدن الشمالية فتحط بي الطائرة لأجوب مدينة العيون، كنت غالبا ما أعيش دوارا مضاعفا يلازمني أياما إن لم يكن أكثر، حرت في تسميته حتى زرع في نفسي أسئلة ظلت تبحث لها عن إجابات، في سكون المدينة وحراكها، في نشاطها القصير الأمد، في ليلها و ليلها ونهارها . حسبتني ذات مرة وجدت جزءا من الإجابات في مقالة قرأتها. مقالة بدأها كاتبها بغمزة مفضوحة وطلقة جريئة، ربما كانت خلاصة لزيارته لمدينة العيون . “ودعنا مدينة العيون على الساعة التاسعة والنصف صباحا وتركناها غارقة في نومها” … هكذا اختتم رحلته وهكذا ابتدأ مقالته، عم كان يتحدث ؟؟ عن حاضرة الأقاليم الجنوبية طبعا، ألا تستقبل هذه المدينة آلاف الضيوف الوافدين من جل بقاع العالم و تكرمهم بأفخم الحفلات الرسمية لتحرم أبنائها سرا ودون خجل .
عم يتحدث ؟؟ عن حاضرة الأقاليم الجنوبية التي ظلت موطن الحراك المشهود حتى أصبحت لا تنقطع فيها أصناف المؤتمرات و سيول الندوات وحمى المهرجانات الباذخة .
إنه يتحدث عن أرض تم إعداد ترابها لمدة ثلاثة عقود و نيف، زارها كبار المسؤولين بأعلى مستوياتهم، وخصصت لها أضخم الميزانيات وسطرت فيها المشاريع الضخمة على الورق ليس إلا . هل هي الحقيقة أم ثمة تواطؤ مع التاريخ؟
حقا لقد نمت هذه المدينة، ذاك أمر يستحيل نكرانه، لكن ألم تتسع على عجل وعلى نحو مشبوه حتى صارت أطرافها بلا ملامح كأنها تنجب أبنائها بكل الطرق . لقد توالدت الجمعيات سرا بمدينة العيون فاختلفت الأسماء لكن ألم تتساوى الثمار؟ ألم تنتعش سياستها الانتهازية لتغدو مجتمعا مدنيا على ورق إلا من رحم ربي والضمير . لقد نبتت كالعشب مدارس هذه المدينة فتكاثر روادها و اكتظت بالشوارع سياراتها، لكن ألم ينقسم التعليم إلى رديء و مزيف . لقد تطورت مستشفيات هذه المدينة لتقدم خدماتها الصحية، لكن ألم تصبح صفوف المرضى تحت مقامرة التمرين أحيانا أو تحت رحمة الضمير المهني المغيب أحيانا اخرى.
إن مدينة العيون تتطور قطعا، لكن بجهالة أفلست جرائها المكاتب ونذرت فيها مراكز التثقيف. ألسنا في حاجة إلى صحوة ذاتية نضمن بها بعض التغيير. وحتى يتحقق ذلك ألا يحق لي أن أصاب بدوار الحضارة، عفوا بالدوار الذي حرت في اختيار تسميته ولكم حق الاختيار .
وكالة الحضارة للأنباء موقع اخباري موريتاني حر