كشف محمد سعدي ولد همدي عن مساعي تقوم بها الجهات التي طرحت وثيقة لحراطين لتشكيل لجنة متابعة وطنية تمثل فيها مختلف الشرائح لمتابعة تنزيل الوثيقة للواقع وجعلها مرجعا حول قضية الرق ومعالجة آثاره وفق تعبيره. وأكد في حديثه لملتقى 21 أغسطس آب أن الدولة ستلحق بالوثيقة ولجانها حينما تجد أن القضية محل إجماع وطني، حيث سيسعى النظام لتبني الجهود المقام بها لتطبيق الوثيقة، وذلك هو المطلوب من أجل اعتمادها مرجعا رسميا لمعالجة المشكل. الموقعون على وثيقة لحراطين
وعن بداية طرح الوثيقة وظروف التحاقه بأصحابها قال رجل الفكر الوقور محمد سعيد ولد همدي إن الموقعين على وثيقة لحراطين كشكول من الجماعات الغير متوافقة سياسيا، وأنه اتصل به مؤسسو الوثيقة وطلبوا منه ترؤس جلسة إعلانها، لكنه طلب منهم إرسال الوثيقة التي اعتبرها تاريخية، ومؤشرا على حدوث تقدم مهم في مجال السلم المدني في البلاد، واعتبر أن بقايا الرق تتلخص فيما أسماه الرواسب التي لا زالت باقية في الأذهان حول الظاهرة بالإضافة إلى الغبن الذي يعاني منه مجتمع لحراطين.
هوية لحراطين
وتعليقا على كون لحراطين هوية مستقلة قال المفكر والدبلوماسي الكبير إن لحراطين شريحة ومرتبة اجتماعية، فهي التعبير المباشر عن الطبقة المغبونة، موضحا أن الحرطاني حينما يعين وزيرا مثلا لم يعد حرطانيا بمعنى الكلمة وإنما هو مسؤول مرموق في السلم الاجتماعي.
واعتبر هنا أن قضية الهوية ليس مطروحة ولا دخل للألوان فيها، منبها على الازدواجية التي يتعامل بها المجتمع مع هذه القضية الحساسة، ودعا ولد همدي أيضا لتشكيل لجنة حكومية محايدة تقوم بجمع الوثائق وإعادة كتابة التاريخ الوطني بدقة وموضوعية.
وطالب بعدم تصفية الحسابات، مطمئنا الجميع حول مسألة الهوية التي قال إنها لا بد أن تبتعد عن الاستهلاك الإعلامي.
نفي للعلاقة بالحر
وحول علاقته بالحر قال ولد همدي إنه ليست لديه أية علاقة بما يسمى حركة الحر، وأنه لم يتصل به أي أحد من أجل الانضمام للحركة، واعترف بأنه التقى ممثلين عن الحركة إبان تأسيسها وهو أمين عام للرئاسة، لكنه أبلغهم بموقفه المبدئي المشكك في ثمرة الأعمال السرية.
وأكد في هذا المجال أنه ضد التمييز الإيجابي لصالح شريحة معينة، وضد تنظيم إحصاءات تحدد عدد لحراطين، كما أنه يعتبر اعتماد المحاصصة عامل تفكيك للوحدة الوطنية.
اعتذار عن بيرام
واعتذر عن بيرام وتطرفه قائلا إن معظم التصريحات المتطرفة التي يدلي بها تأتي في إطار الاستهلاك الإعلامي فقط، وأنها لا أثر لها على إمكانية التشارك مع الرجل كما فعل الموقعون على الوثيقة.
وتوقع ولد همدي أن تكون مشاكل القطع الأرضية والعقار هي مشاكل المستقبل باعتبار أن معظم لحراطين لا يمتلكون أراضي رغم قدمهم في هذا البلد وفق تعبيره.
اقتراح لولد عبد العزيز
وفي جوابه لسؤال حول الاتهامات المتعلقة بعلاقات الرئيس ولد عبد العزيز بشبكات اتجار بالمخدرات قال إنه لا يصدق هذه الاتهامات ولا يكذبها كأية مسألة لا يملك عليها دليلا حسيا، لكنه أضاف أن أي أحد أشيعت بحقه مثل هذه الاتهامات الخطيرة كان ينبغي أن يخرج عن صمته ويعلق عليها على الأقل.
ولد همدي شكك في معرض حديثه عن الوضع السياسي الحالي في كون ولد عبد العزيز لا زالت لديه النسبة التي نجح بها في الانتخابات الماضية 2009 واستطرد قائلا إن جميع رؤساء موريتانيا لم يأتوا للحكم بإرادتهم، مؤكدا أن الانقلاب الأخير صنعه البرلمانيون.
وحول توقيع موريتانيا على الوثائق والقوانين الدولية اعتبر ولد همدي أن مقتضيات القوانين التي صادقت عليها البلاد وسلوك السلطات المخالف يعبر عن حقيقة أن هذا التوقيع إنما يأتي إرضاء للخارج.
الموقف من القبلية
وعن موضوع القبلية اعتبر ولد همدي أن القبيلة تتنامى أدوارها كبديل عن الأحزاب السياسية التي فقدت مصداقيتها بعد تغير الأحزاب الحاكمة مع سقوط أنظمة وحلول أخرى محلها، وأيضا إثر حركات الانسحابات من وإلى الأحزاب المختلفة، وأكد أن الدولة العادلة هي التي تحارب القبلية.
وتابع ولد همدي مع موضوع القبلية بذكر عدد من محدداتها التي قد لا تكون عرقا ونسلا فقط وإنما تتسع لتشمل الاجتماع والسكن والمصالح، وأكد أن القضاء على القبيلة لا يمكن إلا مع مرور الزمن.
وقال الأستاذ الكبير ولد همدي إنه طلبت سابقا منه محاضرة حول اللامركزية في موريتانيا لكنه اعتذر بحكم أن اللامركزية لم تعرفها البلاد منذ الاستقلال وفق تقديره.
مشاكل التعليم
وعن الثقافة الموريتانية قال عميد الدبلوماسية الموريتانية إنه اختير مرة للحديث باسم الشباب، واعتبر في حديثه أن ثقافة افرانكو عرب غير موجودة في البلاد، وخلص إلى أن المدرسة العمومية ميتة، حيث تعاني من اكتظاظ في التلاميذ والطلبة داخل الفصل الذي ليس فيه أي مزينات وجدرانه غير مطلية أحيانا، وذلك في ظل غياب أي تشجيع في المدرسة التي لا تقارن بالمحفزات التي توجد داخل البيت.
وأعاد أساس مشكل التعليم إلى الغبن في الرواتب، حيث يعرف القطاع تدن غير مسبوق في المحفزات المادية مقابل رواتب هائلة للمسؤولين الكبار ممن لا يتولون التدريس داخل الحجرات الدراسية.
وفي رده على سؤال عن الموسيقى الوطنية قال إنه أقرب سؤال إلى قلبه، وتحدث بشكل مختصر عن جذور الموسيقى الوطنية، وطالب بفتح معاهد لتدريس الموسيقى للأجيال وكسر احتكارها من طرف مجموعة واحدة.
الخلل في حكم الإسلاميين
وفي جواب له عن سؤال آخر عن الربيع العربي استهل الحديث بموقفه من نظام القذافي ذاكرا أنه كان ضمن أول بعثة تم إيفادها إلى ليبيا بصفته صحفيا، واعتبر أن القذافي أفسده الحكم ولم يؤسس دولة، وأن الغرب كان يضحك عليه من خلال استغلاله في عدد من الكذبات من بينها حادثة “لوكربي”.
وقال ولد همدي إنه زار مصر سبع مرات، ودعا لتجربة الإسلاميين في الحكم، لكنه قال إن الإخوان في مصر يحتقرون القوانين، وإن كان نضوج التجربة سيوضح أكثر مكامن الاختلال في حكم الإسلاميين الوليد.
تناقض الغرب
وحول دور المنظمات الحقوقية الجديدة في موريتانيا والشكوك المثارة حول خدمتها لأجندة خارجية من خلال روابطها المشبوهة مع بعض المنظمات الدولية قال ولد همدي إن مكاتب منظمة “افلام” ظلت مفتوحة في أمريكا رغم حظر السلطات الموريتانية لها، موردا في هذا المجال نقاشا ساخنا بينه والمندوبة الأمريكية بالأمم المتحدة سوزان رايس، وأضاف أن الغرب يتناقض في موقفه المبدئي من الحريات وموقفه السياسي من القضايا العربية والإسلامية.
واعتبر ولد همدي في هذا المجال أن المملكة المغربية لها مكانة بارزة في الاستراتيجية الأمريكية، ذاكرا حرص أمريكا على مساندة موريتانيا خلال المشكل الذي وقع بينها مع المغرب 1982 حول الحدود، ساردا مقولة مشهورة للرئيس كارتر مخاطبا المغرب “حدود موريتانيا مقدسة” وأضاف أن الولايات المتحدة تمول قوات الأمم المتحدة في الصحراء الغربية لإضعاف الحكم الملكي في المغرب، وأن أمريكا لا تريد حلا نهائيا لمشكل الصحراء الغربية.
مشكل إقليم أزواد
وحول حركة أزواد وأزمة مالي قال ولد همدي إنه تأكد بعد عدم تحرك فرنسا إثر الانقلاب الأخير بمالي أن منفذيه تابعون لفرنسا مثل حركة تحرير أزواد التي كانت فرنسا تستخدمها ضد الجزائر وأصبحت تريد لها دورا داخل مالي.
جاءت أحاديث ولد همدي هذه خلال إنعاشه المتميز لمنتدى 21 أغسطس آب الذي احتضنته قهوة تونس ليلة السبت الماضي، حيث استضافت هذه الحلقة الدبلوماسي العتيق ولد همدي باعتباره شخصا مستقلا لا يحمل مواقف سياسية محددة، لكنه حر ويعبر عن رأيه في القضايا التي يهتم بها وفق عدد من الشباب الذين دعوه لإنعاش الملتقى.
وقد كان الملتقى فرصة للقاء الشباب والقامة الفكرية والدبلوماسية الكبيرة، حيث تدخل عدد منهم وطرحوا تساؤلاتهم التي أجاب عليها ولد همدي بكل رحابة صدر.
ويعقد الملتقى أسبوعيا، حيث عادة ما يبدأ فيه الضيف الذي يختاره الشباب بتقديم نفسه، ثم يقوم بعرض حول قضية أو قضايا يختارها، على أن يفتح المجال لمداخلات الأعضاء وتساؤلاتهم وإضافاتهم بشكل حر.
وكالة الحضارة للأنباء موقع اخباري موريتاني حر